حطين/تسوَدّ السخرية القدرية في البلاد مع استمرار حمل وزير العدل الدكتور بسام التلهوني لحقيبتي التربية والتعليم، والتعليم العالي، حيث القطاعان الأخيران من أكثر القطاعات المفتقدة للعدل في المملكة وفق المختصين في المجال، الوزير التلهوني لديه الكثير من الكفاءة والقدرة على التواصل بالضرورة، ولكن هذا لا يمنع أن استمراره لأيام حاملاً لثلاث حقائب وزارية وازنة يفتح المجال امام التوقف عند المشهد وتحليله وتأويله.

قبل الخوض في البعد الزمني والأسباب التي جعلت وزير العدل هو من يحمل الحقيبتين، يمكن عملياً الاطلالة بسريالية على النتيجة، حيث الحقيبتان اللتان يمكن تحميلهما الكثير من الأزمات الحالية، بما في ذلك تراجع التعليم وضعف مخرجاته وبالتالي تعمّق ازمة الأدوات في القطاع العام، إضافة لتفشي الواسطة والمحسوبية والمناطقية ضمن سياسات بعضها، باتت اليوم تحت مظلّة “العدل”، دون ان يتغير شيء (ولا أحد يمكنه ان يتوقع تغييراً حقيقياً في إسقاط الحقيبتين بحضن الوزير المستجد على طاقم الرزاز أصلاً).

لطالما طالب الأردنيون بالعدل في توزيع فرص التعليم بينهم، وحملة “ذبحتونا” المختصة بهذا المجال تصدر تقاريرها حول غياب العدالة في الفرص وتضاعف فرص المقتدرين مادياً أو الحاصلين على مكرمات (استثناءات ومِنح) في الحصول على تعليم جيد، وهو الامر الذي تضعه ضمن بيانات تؤكد ان الجامعات الأردنية “مش شركات” حسب ما يكتب ويقول القائمون عليها وعلى رأسهم مؤسس الحملة الدكتور المسيّس فاخر دعاس.

في التعليم المدرسي كذلك، فالمدارس الحكومية وخصوصا في المحافظات تفتد للعدل بصورة كبيرة، وفق تقييمات عالمية، كما ان المجموع الكلي للتعليم الجيد يمكن قياسه مما ورد على لسان زوجة الملك الملكة رانيا العبدالله خلال حفل إطلاق الاستراتيجية الوطنية لتنمية الموارد البشرية عام 2016. حتى اللحظة لم تتغير النتائج الا بنسب طفيفة. ويحصل الطلبة الأكثر حظاً على تعليم أفضل من خلال الالتحاق بمدارس لا تدرس المنهاج الأردني، وبأقساط مرتفعة، أو منح دراسية على غرار المكرمات أيضاً.

أمام واقع التعليم في الأردن، لا يمكن تجاهل مفارقته منضوياً تحت وزير العدل، وبعيداً عن الكفاءة المشهود بها للوزير التلهوني في مجاله، فإن استمرار حمله لحقيبتين من الوزن الثقيل بالإضافة للعدل التي هي أيضاً حقيبة وزارية هامة جداً في الوقت الحالي الذي يشهد تعديلات مختلفة على قوانين وأنظمة، فإن ذلك يمنح انطباعاً إمّا بأن الحكومة كلها مهدّدة بالزوال القريب، أو أن الرئيس الدكتور عمر الرزاز والذي كان يحمل حقيبة التربية والتعليم قبل الرئاسة، ويحمل لها مشروعاً، سيشرف بنفسه على تفاصيل الوزارتين عن قرب، خصوصاً مع شعورٍ عكسي بدأ يظهر من “أبنائه الطلبة” كما كان يحلو للدكتور الرزاز مخاطبة الطلاب، نتج عن تداعيات حادثة البحر الميت.

في الخيار الثاني، قد يحب الرزاز نفسه رأب الصدع، خصوصاً وهو كان قد دخل رئاسة الوزراء حاملاً على كاهله عبء التربية والتعليم ويشرف على بعض التفاصيل عن قرب مع الوزير المستقيل الدكتور علي المحافظة.

الاحتمال الأخير، والذي لا يمنع اياً من الاحتمالين الاولين، هو ان يكون الدكتور الرزاز يتقصّى عن الشخصية الأنسب لحمل حقيبتين بهذا الحجم، حتى لا يتسرع باختيار شخصية قد تعيد خلط الأوراق، خصوصاً مع ترشيحات مصرّة على عودة الوزير السابق للرزاز الدكتور محمد ذنيبات، ولم يتم طرح أسماء أخرى في السياق.

احد الإنجازات الحقيقية التي يعتبر الرزاز نفسه حققها في التعديل الوزاري الأخير عملياً كان توأمة الوزارتين (التعليم والتعليم العالي) بيد وزير واحد على طريق الدمج، وهو المشروع المعلن للرئيس منذ سنوات في استراتيجية التشغيل الوطنية. التحدي الكبير امام هذا الاجراء هو العودة للخلف مع شخصية لم تعمل على خطط الدمج ولا تطوير المناهج التي اشرف الرزاز نفسه لسنوات عليها.

بكل الأحوال، استمرار حمل التلهوني للحقيبتين أكثر صعوبة بكثير مما تقوم به وزير تطوير القطاع العام مجد شويكة في حملها لحقيبة وزارة السياحة، ليس فقط لان شويكة تستطيع ان تطور نموذجاً من تطوير الأداء في وزارة السياحة- ان هي ارادت- بينما حقيبتا التلهوني الجدد بعيدتان تماما عن العدل، وتطبيق العدل بهما بحاجة “معجزة” قد تخلّد اسم التلهوني ورئيسه للأبد، وفق الخبراء، ولكن لأن وزارة العدل بحد ذاتها تحتاج للمزيد من التركيز والدراسة قبل دخولها على خط واحد مع وزارة الشؤون القانونية، والكمية الكبيرة من التشتت اليوم قد تضعف وزيراً قوياً كالتلهوني.

الرئيس الرزاز اليوم يمكن أن يكون أمام تحدٍّ حقيقي يتمثل باحتمالات فقده لمشروعه المُعلن الوحيد في الحقيبتين المذكورتين، هنا لا يمكن لومه على التأني والتفكير، ولكن مراقبي تحركاته يخشون من عودته لقواعد المحاصصة والتفكير داخل صندوقها في القطاع الأكثر حساسية بالنسبة للرزاز نفسه وخبرته. وهنا تعلم “رأي اليوم” أن الرئيس لديه مقترحات ذات كفاءة يتردد في استقبالها واختبارها بسبب “القواعد المذكورة”.

– “رأي اليوم” –