كابوس المسؤولين الأردنيين يتحقق رغم كل المحاولات الحكومية والأهلية لوأد فكرة الاحتجاج، ولعل أسوأ ما في عودة الاعتصامات الأردنية من جديد- بالنسبة للمسؤولين- هو أن سقف الهتاف لم يعد قانون الضريبة ولا قانون الجرائم الالكترونية، فقد عاد الحديث عن حكومة برلمانية وملكية دستورية بعد اسقاط القانونين المذكورين وبعد اسقاط مجلسي النواب والاعيان. بالمناسبة، لعل هذه مرة نادرة يهتف فيها الشارع ضد مجلس الملك (الاعيان)، بعدما ارتكب الأخير “خطيئة” لعبة الشد والجذب مع النواب على رفع الضرائب، كما وصفها مراقبون.

وضع الأمور في مكانها الصحيح يجعل جواب سؤال “لماذا لم ينزل الشباب للشوارع سابقاً؟”، بسيطاً للغاية، فالشارع اليوم يتحدث مباشرة للملك الذي بات في حضنه قانون ضريبة الدخل بعد جراحة تجميلية سيئة برأي الناشطين اجراها مجلسا النواب والاعيان للقانون القديم واستغرقت اياماً. لذلك فأي وقت سابق كان سيجعل الشارع يكرر سيناريو حكومة الدكتور هاني الملقي مع الدكتور عمر الرزاز، ولكن الشباب اليوم يعتبرون الأخير “أداة تنفيذية”، ويعتبرون انهم منحوه “الفرصة التي طلبها وزيادة”، ما أعادهم لقناعة أن لا طائل من تكرار الحديث مِن وإلى الحكومة.

من هنا يمكن فهم التوقيت، حيث قانون ضريبة الدخل اليوم لدى الملك عبد الله الثاني، ويتطلب توقيعه فقط ليصبح ساري المفعول وهو الأمر الذي أعرب فيه الشارع عن غضبه ورفضه، منتظراً من الملك مجدداً ان يُنصف المحتجين والمعترضين ومن سيمسهم القانون. الطلب للملك مباشرة هذه المرة ولمرة نادرة، حيث عاهل الأردن كان في السابق يتدخل لصالح الشارع ضد إرادة الحكومة، ما يجعل ترقب الإرادة الملكية في قانون الضريبة اليوم هامّاً ومفصلياً، ولعله البوصلة للحراك القادم.

الشباب نزلوا للشارع بالمئات الجمعة رغم كل محاولات “شيطنة الحراك”، ومن الواضح أن عصر التواصل الاجتماعي في الأردن لم يكن قد بدأ فعلاً في حراك 2011، حيث يعيد حراك 2018 صياغة المشهد وعبر وسائل التواصل بعد تخلّي النقابات المهنية والداعون لحراك رمضان عن الدعوة. حيث أصدرت النقابات المهنية تصريحات على لسان رئيس مجلس النقباء نقيب أطباء الأسنان الدكتور إبراهيم الطراونة يتنصل فيه من الحراك، وكذلك فعلت الأحزاب والفعاليات الأخرى.

بهذه الصورة تحديداً، وضعت أجهزة الدولة- المتهمة بالتنسيق مع النقابات والفعاليات لإعاقة الحراك- نفسها في ذات المأزق، حيث حراك حيوي وفاعل ولكن بلا رأس تحادثه ولا تتفاوض معه. وحراك المئات اليوم، تستطيع “رأي اليوم” أن ترى أنه من النوع الجاذب جداً للآلاف غداً، ولكن صعوبته هذه المرة بغياب شخصية توافقية كالتي مثّلها الرزاز المرة الماضية.

بتتبع ما حدث الجمعة، يمكن عملياً أن يرى المراقب أن الحكومة متهمة باستخدام أساليب بدائية من “كيل الزيوت العادمة” إلى قطع شبكات الاتصال وعرقلتها، هنا عاد البعض لتذكير “ممثل الحراك” في الحكومة وزير الاتصالات مثنى الغرايبة بصوره في الحراك الماضي.

بالعودة لما عُرف بأحداث رمضان او النسخة الأولى لعام 2018 من “اعتصام الدوار الرابع″، يمكن تذكّر ان مطلب اسقاط مجلس النواب لم تتم تلبيته، وهنا يعود الشارع بمطلب واضح وهم يهتفون “يا أواب يا أواب ريحنا من النواب، يا رحمن يا رحمن ريحنا من الأعيان”. مجلس الأمة بشقّيه اليوم لم يعد مقبولاً، ومجدداً فالمثير في المشهد أن يدخل مجلس الملك على خط الهتاف.

الحراك عمليّاً تطلّ طلائعه أمام مجلس الوزراء، ولكن الأخير لم يعد مهمّاً بالنسبة للشارع في هذه المرحلة، فالحقيقة اليوم مع القصر وقانون ضريبة الدخل بانتظار التوقيع الملكي، أي أن الشارع يمهّد ليصعد على شجرة عالية ومع أعلى الهرم في الدولة، خصوصاً وهو يهتف “من عمان لذيبان بنرجّع هبة نيسان”. هنا يهدد الشارع بإيصال الجميع لتكرار عصر 1989م، حيث مجلس نواب منتخب ووفق قانون يراه كثيرون أكثر منطقية من القانون الحالي، والاهم، انهم يريدون قانوناً لا يفرز من أسموهم “عصابة رأس المال”.

من كانوا بالشارع، وعددهم يقدّر بالمئات هم نواةٌ صلبة لعودة قوية لحراك صعب التفادي أو العرقلة لو نزل مرة أخرى، من هنا فالجواب على هؤلاء في القصر الملكي على الأغلب سيكون محسوباً وبدقة وعلى أساس أولا تحييد القصر عبر رد قانون الضريبة، ثم التصرف بتوجيه نحو قانوني الانتخاب والأحزاب قبل الجرائم الالكترونية وغيرها.

بالمناسبة الشباب بالأمس، قدّموا للحكومة نموذجاً عن شكل التعبير عن الغضب بعد إقرار قانون الجرائم الالكترونية، حيث يقسم هؤلاء ان الشارع ملاذهم الآمن.

– “رأي اليوم” –